صديق الحسيني القنوجي البخاري

415

فتح البيان في مقاصد القرآن

الناس ، والسديد مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض ، والظاهر من الآية أنه أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا في جميع ما يأتونه ويذرونه فلا يخص ذلك نوعا دون نوع ، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي العموم ، فالمقام يفيد هذا المعنى لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن يقولوا قولا يخالف قول أهل الأذى . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : « صلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صلاة الظهر ثم قال : على مكانكم اثبتوا ثم أتى الرجال فقال : إن اللّه أمرني أن آمركم أن تتقوا اللّه وأن تقولوا قولا سديدا ، ثم أتى النساء فقال : إن اللّه أمرني أن آمركن أن تتقين اللّه ، وأن تقلن قولا سديدا » « 1 » ، ثم ذكر اللّه سبحانه ما لهؤلاء الذين امتثلوا الأمر بالتقوى والقول السديد من الأجر فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 71 إلى 73 ] يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ( 71 ) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي يجعلها صالحة لا فاسدة بما يهديكم إليه ، ويوفقكم فيه ، أو يتقبلها وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي يجعلها مكفرة مغفورة وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في فعل ما هو طاعة واجتناب ما هو معصية . فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً أي ظفر بالخير ظفرا عظيما ونال خير الدنيا والآخرة وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ، ثم لما فرغ سبحانه من بيان ما هو لأهل الطاعة من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب بين عظم شأن التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها فقال : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها أي خفن من الأمانة أن يؤدينها فيلحقهن العقاب ، أو خفن من الخيانة فيها ، واختلف في تفسير الأمانة المذكورة هنا ، فقال الواحدي : معنى الأمانة ههنا في قول جميع المفسرين : الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب ، قال القرطبي : الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال وهو قول الجمهور ، وقد اختلف في تفاصيل بعضها فقال ابن مسعود : هي في أمانة الأموال كالودائع وغيرها ، وروي عنه أنها في كل الفرائض وأشدها أمانة المال .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 391 ، 413 .